السيد محمد حسين فضل الله
14
من وحي القرآن
فرضت له في الكتاب ؟ ثم يطرح السهمان في سهام مبهمة ، ثم يجال السهام على ما خرج ، وورّث عليه « 1 » . وهكذا تتحول القرعة في مضمونها الديني الجديد إلى عملية تتضمن معنى العبادة والدعاء ، فهي - في هذا الجو - وسيلة من وسائل تفويض الأمر إلى اللّه ، عندما تتعقد الأمور وتدفع إلى الشلل والحيرة ، وتخرج - بذلك - عن دائرة الأزلام المعروفة في الجاهلية التي كانوا يستقسمون بها ، وهذا ما يجعل للطمأنينة النفسية في نتائجها أساسا في العقيدة التوحيدية التي تدعو الناس إلى التفويض إلى اللّه والرضى به . ولهذا فإنها لا يمكن أن تقع على سبيل التجربة التي لا تنطلق من الجدّية في الوصول إلى الحل ؛ وهذا ما رواه في التهذيب صحيحا عن جميل قال : قال الطيار لزرارة : ما تقول في المساهمة « القرعة » أليس حقا ؟ فقال زرارة : بل هي حق . فقال الطيار : أليس قد رووا أنه يخرج سهم المحق ؟ قال : بلى . قال : فتعال حتى أدّعي أنا وأنت شيئا ثم نساهم عليه وينظر هكذا هو ، فقال زرارة : إنما جاء الحديث بأنه ليس قوم فوّضوا أمرهم إلى اللّه ثم أقرعوا إلّا خرج سهم المحق ، فأمّا على التجارب فلم يوضع على التجارب ، فقال الطيار : أرأيت إن كان جميعا مدّعيين ادعيا ما ليس لهما من أين يخرج سهم أحدهما ؟ فقال زرارة : إذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح ، فإن كان ادعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح « 2 » وهذه الثقة بالنتائج ليست منطلقة من طبيعة العملية كلعبة خاصة يحاول اللاعبون أن يجربوا فيها حظهم ، بل هي قضية إخلاص روحي في الرجوع إلى اللّه ، ليختار لهم ما فيه صلاحهم أو ما فيه تعيين الحق في الواقع ، ممّا يجعل للمسألة بعدا إيمانيا في الروح ، لا مجرد بعد إلهيّ في الوسائل .
--> ( 1 ) الكليني ، محمد بن يعقوب ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، ج : 7 ، ص : 158 ، رواية : 2 . والتهذيب ، ج : 6 ، باب : 22 ، ص : 239 ، رواية : 19 . ( 2 ) التهذيب ، ج : 6 ، باب : 22 ، ص : 238 ، رواية : 15 .